محمد بن الطيب الباقلاني

258

الإنتصار للقرآن

على ما بيّنّاه من قبل ، ولأجل أنّهم سمعوا الرسول يفتتح في الصلاة ببسم اللّه الرحمن الرحيم ، ويجهر بها أحيانا إمام الجهر ، فأجيز الائتمام به في افتتاح السور في الكتابة بها ، وليس مثل عدد من فعله في تعشير القرآن وكتب رأس الأجزاء والأسباع والأخماس وخاتم كذا وعدد آياتها كذا ، وكتب التفسير مع التأويل . وإذا كان ذلك كذلك بان أنّه لا حجّة لهم في شيء مما أوردوه ، وأنّ بسم اللّه الرحمن الرحيم ليست بآية من القرآن ، وأنّها جعلت علامة وفاصلة بين السور ، وأمارة على ختم السورة والأخذ في الأخرى . فإن قال قائل : فإذا كان الأمر فيها على ما وصفتم فلم لم تكتب في أول سورة براءة للفصل بينها وبين الأنفال ؟ قيل له : لأمرين : أحدهما : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم لم يفعل ذلك ليشعر من بعد أهل عصره أنّ السلف من الأمّة الآخذين عنه لم يكتبوا بسم اللّه الرحمن الرحيم في فواتح [ 150 ] السور باجتهادهم / وآرائهم ، وإنّما اتّبعوا في ذلك ما سنّ وشرع لهم ، وأنّ ذلك لو كان برأيهم لوجب عليهم أن يكتبوا بين الأنفال وبراءة ، لأنّه لا معنى يقتضي الفرق بين الفصل بين هاتين السورتين بها وبين الفصل بين غيرهما بها ، ولو فعل ذلك في غير سورة براءة وأسقطها من افتتاحها لسدّ ذلك مسدّ اطّراحها من أول سورة براءة في إشعارهم بهذا الباب ، ولو أعلمهم أيضا - سبحانه - أنّ السلف ما كتبوها في أوائل السور إلا لسنّة الرسول بغير هذا الوجه وشيء سوى إسقاطها من أول سورة براءة لصحّ ذلك منه وجاز ، غير أنّه يمكن أن يكون إعلامهم هذا الباب بهذا الضرب من التنبيه وبإسقاطها من